بحث متقدم
background

التجديد في الغزل ( الغزل الصريح نشأته وأسبابها ) 


مقدمة

عمّت مظاهر التجديد في غزل العصر الاموي تياري الغزل اللذين تقاسما تكوين هذا الغرض، وهما تيار الغزل الصريح، وتيار الغزل العذري.

برز هذا التيار عند شعراء الحواضر والمدن ولاسيما مكة والمدينة، ويثير توجه شعراء هاتين المدينتين اللتين تعدان مصدر الرسالة الاسلامية ومنبت رجالها كثيراً من الاسئلة، ولعل اكثر التفاسير التي نراها تسوّغ نشوء هذا الغزل ان سياسة عليا عملت على اغراق هاتين المدينتين بالترف والرخاء ورغد العيش للناي بهما عن السياسة لما لهما من اثر حاسم بسبب موقعهما المقدس ورمزيتهما ودور اهليهما الرئيسي في توطيد اركان دولة النبوة والخلافة الراشدة، واسهم هذا الترف بانتشار مظاهر حياة اللهو والغناء التي كانت مناخاَ لنشوء شعر غزلي حسي يستجيب لنوازع الرخاء والترف، وقدمت روايات كتاب الاغاني للاصفهاني عن استغراق اهل المدينتين في اجواء الغناء واللهو، صوراً كثيرة عن جنوح شعراء هاتين المدينتين الى غزل يناسب اجواء الغناء واللهو، وان كنا نقف حذرين كثيراً من حكايات الاصفهاني ورواياته وما تنطوي عليه من مقاصد الا ان عين الحقيقة تؤكد ذيوع هذا الغزل عند شعراء مكة والمدينة الذين افردوا للغزل مقطعات خالصة، وجنحوا الى الاوزان الخفيفة مثل الرمل والسريع والخفيف والمتقارب.

مثل قول الاحوص:

  واذا الدُّرُّ زانَ حُسنَ وُجوهٍ كانَ لِلدُّرِّ حُسنُ وَجهكِ زَينا
  وَتَزيدينَ اطيب الطّيبِ طيبا ان تَمَسِّيهِ اين مِثلُكِ اينا

وقول عبد الله بن عمر العرجي:

  تُريكَ وَحفاً فوقَ جِيدٍ لَها مِثلَ رُكامِ العِنَبِ المُدمَجِ
  كانما الحَليُ عَلى نَحرِها نُجُومُ فَجرٍ ساطِعٍ ابلج

و قد عني هؤلاء الشعراء باستلهام الالفاظ العذبة الرقيقة، وابدعوا الصور التي تغلو باحاسيس الحب مفاتن جسد المراة، ولابد من الاشارة الى ان بعض شعراء هاتين المدينتين وهم قلة لم يسايروا تيار الصراحة في الغزل وابقوا على مظاهر التقوى والعفاف والورع في اشعارهم مثل ما ظهر عند عبد الرحمن بن عمار الجشمي، وعروة بن اذينة، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة.

غير ان الاستقصاء الموضوعي يبين ان الجمهور الاعظم من شعراء هاتين المدينتين هم مَن توجهوا الى الغزل الصريح، ومثلوا اعلامه المبدعين امثال عمر بن ابي ربيعة والاحوص الانصاري، وعبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان بن عفان العرجي.

توحي روايات الاغاني ان هؤلاء الشعراء اسروا الباب اهل المدينتين فجعلوهم يتغنون باشعارهم، ويشترك في ذلك الرجال والنساء، الاغنياء والفقراء، الاحرار والعبيد، المتدينون والعابثون، ولا يسثنى من ذلك النساك والفقهاء، امثال ابن عباس، وعطاء بن ابي رباح وابن جريج، وقد اسهب ابو الفرج في نقل اخبارهم ومن ذلك يقول:"بينا ابن عباس في المسجد الحرام وعنده نافع بن الازرق وناس من الخوارج يسالونه، اذ اقبل عمر بن ابي ربيعة في ثوبين مصبوغين موردين او ممصرين، حتى دخل وجلس، فاقبل عليه ابن عباس، فقال: انشدنا، فانشده:

  امن ال نُعمٍ انت غادٍ فَمُبكِرُ غَداةَ غَدٍ ام رائِحٌ فَمُهَجِّرُ

حتى اتى على اخرها. فاقبل عليه نافع بن الازرق فقال: الله يا ابن عباس! انا نضرب اليك اكباد الابل من اقاصي البلاد، نسالك عن الحلال والحرام فتتثاقل عنا وياتيك غلام مترف من مترفي قريش، فينشدك:

  رات رجلاً اما اذا الشَّمْسُ عارضت فيَخْزى واما بالعَشيّ فَيَخْسر

فقال ابن عباس: ليس كذلك قال، فقال: كيف قال؟ فقال: قال:

  رات رَجُلاً اما اذا الشَّمسُ عارَضَت فَيَضحى واما بِالعَشيِّ فَيَخصَرُ

فقال ابن الازرق: ما اراك الا وقد حفظت البيت! قال: اجل، وان شئت ان انشدك القصيدة انشدتك اياها، قال فاني اشاء، فانشده القصيدة حتى اتى على اخرها، ثم اتى على عمر بن ابي ربيعة، فقال انشد، فانشده:

  تَشُطُّ غَداً دارُ جيرانِنا وَلَلَدّارُ بَعدَ غَدٍ ابعد

ويوهم صاحب الاغاني برواياته انه لم يعد في مكة الا هذا الشعر يتناقله الناس ويغني فيه المغنون والمغنيات، وكان من عبادهم وفقهائهم من اذا سمعه اخذ يرقص، فقد استمع عطاء بن ابي رباح يوماً الى شيء من هذا الشعر فحلف الا يكلم احدا بقية يومه الا به، وكان ابن جريج مثل استاذه يفتتن به فتنة شديدة.

هذه الروايات تدل على ان عبد الله بن عباس وغيره من الفقهاء كانوا يروون هذه الاشعار في المسجد الحرام وينشدونها ويستنشدون اصحابها وكان غيرهم من المكيين يرويها اينما حلّ في الطرقات والمنعطفات وفي شعاب مكة وبطاحها وفي ضواحيها ومتنزهاتها، فصارت هذه الاشعار والقصص زاداً لاهل مكة والمدنية في مجالسهم وسهرهم وسفههم وسمرهم. ونشات في مكة والمدينة بيوت تعنى بغناء الشعر مثل ما كان في بيت سكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة والثريا بنت علي بن عبد الله الاموية، وضمت بيتها موالي وقينات يُجِدْن الغناء مثل يحيى والغريض وسمية، وكانوا يغنونها في شعر عمر وغيره من الغزليين في مكة، وفي المدينة. وفيها قال عمر بن ابي ربيعة:

  ايها المُنكِحُ الثُّرَيّا سُهَيلاً عَمرَكَ اللَّهَ كَيفَ يَلتَقِيانِ
  هِيَ شامِيَّةٌ اذا ما استَقَلَّت وَسُهيلٌ اذا استَقَلَّ يَمانِ

وله فيها اشعار كثيرة:

  وَلَيتَ الثّريا في المَماتِ ضَجيعَتي هُنالِكَ ام في جَنَّةٍ ام جَهَنَّمِ

وفيها عبد الله بن قيس:

  حَبَّذا الحَجُّ وَالثُّرَيّا وَمَن بِال خَيفِ مِن اجلها وَمُلقي الرِّحالِ
  يا سُلَيمانُ ان تُلاقِ الثُّرَيّا تَلقَ عَيشَ الخُلودِ قَبلَ الهِلالِ
  دُرَّةٌ مِن عَقائِلِ البَحرِ بِكرٌ لَم تَنَلها مَثاقِبُ اللال
  تَعقِدُ المِئزَرَ السُّخامَ مِنَ الخَزْ زِ عَلى حَقوِ بادِنٍ مِكسالِ

لقد اسس شعراء مكة والمدينة هذا النموذج الجديد من الغزل ليجعلوه على لسان الجميع، ويسهم في تزويد المغنين باشعار يرددونها موقعة مغناة فيسهمون في تاسيس فنون الغناء واللهو في كلتا المدينتين.


لقراءة كامل المقال يرجى الاتصال بالشخص المسؤول.

مقالات مرتبطة

موسوعة الفراشة
الشعراء الصعاليك

شكّل شعر الصعاليك ظاهرة مميزة في الشعر الجاهلي، وعلى الرغم من انتمائه في الصورة العامة إلى الشعر الجاهلي إلا أنه يمتاز ب...

اقرأ المزيد
موسوعة الفراشة
فن الرجز واتجاهاته في العصر الأموي

ترتد نشأة شعر الرجز إلى أصول جاهلية مغرقة في الماضي فقد تصل إلى نشأة الشعر العربي، فقد اكتسب اسمه من البحر الذي قام عليه...

اقرأ المزيد
موسوعة الفراشة
الوصف في العصر الأموي

قدم الشعراء لقصائدهم بوقفات طللية، ووصفوا فيها خراب الديار وأعملوا في تفريد لوحاته، فسكبوا مشاهداتهم في صور براقة، حملوه...

اقرأ المزيد