بحث متقدم
background

الحياة العقلية في العصر الجاهلي 


مقدمة

كان عرب الجاهلية على ما فيهم من بداوة وقبلية، يتمتعون بعقلية تمس منطق العلم والوعي بمنظور حاجات الحياة وبنائها، واطياف من فلسفة عفوية متولدة من الخبرات الذاتية التراكمية يقيمونها مقام العلوم المنظمة، فلم يكونوا اصحاب علوم منظمة واهل علماء يتوافرون على العلم، يدونون قواعده ويوضحون مناهجه، ولكن كانت الطبيعة المفتوحة بين ايديهم، و تجارب الحياة العملية وما يهديهم اليه العقل الفطري، والتجارب، مجالاً من مجالات علمهم، فعرفوا كثيراً من النجوم ومواقعها، والانواء واوقاتها، واهتدوا الى نوع من الطب توارثوه جيلاً بعد جيل، وكان لهم الكثير من المنطق التوثيقي في علم الانساب، والمنطق المنهجي في الفراسة، والقيافة والكهانة. كما كانت لهم نظرات في الحياة. اما الفلسفة بمفهومها العلمي المنظم، فلم يصل اليها العرب في جاهليتهم، وان كانت لهم خطرات فلسفية لا تتطلب الا التفات الذهن الى معنى يتعلق باصول الكون، من غير بحث منظم وتدليل وتفنيد، فبرز ذلك في حكمهم ومواعظهم التي تطال جوانب مختلفة من الحياة.

وتميّز العرب بالذكاء والبديهة وفصاحة القول، وكانت مظاهر حياتهم الفكرية اشد ما تظهر في لغتهم وشعرهم وخطبهم ووصاياهم وامثالهم. وكانت هذه الافكار زادهم في تبصر احوال الوجود والاعتقاد بتكوينه، ونظمه، والهامهم بالاعتقاد الديني الذي اختلط بالوثنية.

وكانت مظاهر التفكير العقلي عند الجاهليين مرتبطة بخصوصية حياتهم وبيئتهم ، اذ اتسم تفكيرهم في جوانب متعددة منه، بالتجارب الشخصية اذ اسسوا جملة نظم وقواعد تحكم تعاملهم مع مظاهر الحياة وشؤونها، واستعملوا مفهوم القياس في نقل هذه التجارب ومعالجة احوالهم وفقهها، واعتنوا بالاستنتاج فكانوا يخضعون مواقفهم لمعالجة قريبة من مفهوم الاستنتاج المنطقي، وظهر مفهوم التصنيف في وفق رؤى جاهلية لطبقات المجتمع، ومكوناته من رجال ونساء وكذلك استعانوا بالتنظيم في مختلف قضايا مجتمعهم في الحرب والسلم، والاسرة والجوار والتجارة، فكانوا على ما يغلبهم من مظاهر بدوية يعملون العقل في بناء حياتهم وعلاقاتهم، وشؤونها، ويميل التفكير العقلي لديهم الى مكونات اسطورية ترسبت في ذاكرتهم من جهة ومن جهة اخرى يستثمرون الخرافة في الاجابة عن اسئلتهم الوجودية الغامضة، فانتجوا وفق هذا التفكير منظومة تقاليد وعادات حكمت حياتهم وانتظمتها وفق افق يلائم طبيعة الحياة التي يعيشونها، وظهر لديهم جراء هذا التفكير احوال تحكمها نزعتهم القبلية مثل الطيش والجهل اللذين شاعا في حياتهم جراء هيمنة الانفعالات العاطفية والاستسلام للسورة النفسية والمزاج الحاد، فراحوا يتغنون بالتهور الذي يرونه شجاعة وباسا، كما هو الحال عند عمرو بن كلثوم:

  الا لا يَجهَلَن احد عَلَينا فَنَجهَلَ فَوقَ جَهلِ الجاهِلينا

فالجهل كرامة واباء، ورجولة عند الجاهليين، كما يرى عبيد بن الابرص:

  بيضٌ بَهاليلُ يَنفي الجَهلَ حِلمُهُمُ وَتَفزَعُ الارض مِنهُم ان هُمُ سَخِطوا

والجهل فتوة وبطولة محمودة، كما يرى عدي بن زيد:

  اعاذل ان الجَهلَ مِن لَذَّةِ الفتى وان المَنايا لِلرِجالِ بِمَرصَدِ


لقراءة كامل المقال يرجى الاتصال بالشخص المسؤول.

مقالات مرتبطة

موسوعة الفراشة
الشعر التروبادوري

إذن جهة هذا الشعر ووجهته كانت المرأة الجميلة المتزوجة من ملك، أو أمير، أو نبيل، أو إقطاعي، ذاع صيت جمالها بين الناس، فأس...

اقرأ المزيد
موسوعة الفراشة
الوصـف في العصر الجاهلي

شبّه الشعراء الجاهليون الناقة والفرس بما عرفوه من حيوانات، تدل على القوة والسرعة والرشاقة، والأوصاف المحببة لهم في الفرس...

اقرأ المزيد
موسوعة الفراشة
الانتحال عند العرب المعاصرين

أثار طه حسين ضجة كبيرة بصدور كتابه "في الشعر الجاهلي" فقد رأى فيه الكثيرمـن الـدارسين طعناً في التراث والدين ...

اقرأ المزيد