بحث متقدم
background

أبو حيان التوحيدي (310 - 414 هـ / 922 - 1023 م) 


مقدمة

هو علي بن محمد بن العباس التوحيدي البغدادي، غلبت كنيته على اسمه، فاشتهر بها. اصله من شيراز، وقبلها من نيسابور، وقيل من واسط. والراجح انه عربي الارومة. كان فيلسوفاً متصوّفاً، واديبا بارعاً، من اعلام القرن الرابع الهجري. لقبّ بـ "التوحيدي" لواحد من الاسباب الاتية: اما انه نُسب لنوع تمر كان يبيعه جده، واما انه يعود الى التوحيد الذي عند المعتزلة، وهو الذي نسب نفسه الى التوحيد، كما سمّى ابن تومرت اتباعه بالموحدين، واما لتصوّفه اذ كان يُسمِّي صوفية الفلاسفة انفسهم باهل الوحدة وبالاتحادية. نشا ابو حيان يتيماً يُعاني شظف العيش ومرارة الحرمان، ولاسيما بعد وفاة والده وانتقاله الى كفالة عمّه الذي كان يكرهه طفلاً، ويقسو عليه. شبّ عن الطوق وامتهن حرفة الوراقة التي اتاحت له فرصة التزوّد بكمّ هائلٍ من المعارف، وجعلته على اطلاع مستمر بنتاجات عصره من ناحية، وبنتاجات العصور السالفة في مجال الفنون، والفلسفة، والادب. وهذا ما جعله مثقفاً موسوعياً في عصره. كان مطعوناً في دينه وايمانه، وانقسم العلماء بين مهاجم له ومدافع عنه. ويروي السبكي الجدّ ان التوحيدي انتهى من طبقات الشافعية الكبرى، فغدا امام الشافعية. وكان شيخ الاسلام ابن تيمية يثبت لابي حيان اشتغاله بالفلسفة، ولا يجزم له بالزندقة، اذ قال: "فان ابا حيان تغلب عليه الخطابة والفصاحة، وهو ذو ثقافة مركّبة من فنون ادبية وفلسفية وكلامية وغير ذلك. وان كان قد شهد عليه بالزندقة غير واحد، وقرنوه بابن الراوندي، كما ذكر ذلك ابن عقيل وغيره." ومن ابرز المدافعين عنه والمادحين له: تاج الدين الدين السبكي، ووالده تقي الدين، وابن النجار. قال عنه السبكي: وكان فقيراً صابراً متديِّناً، وكان صحيح العقيدة. ويشير في موضع اخر الى ان الحامل على الوقيعة في التوحيدي، مع ما يبطنه من بغض الصوفية كلام بعض العلماءومنهم ابن الجوزي. ويضيف: "لم يثبت عندي الى الان مِن حال ابي حيان ما يوجب الوقيعة فيه، ووقفتُ على كثير من كلامه، فلم اجد فيه الا ما يدلّ على انه كان قويّ النفس مزدرياً باهل عصره، لا يوجب هذا القدر ان ينال منه هذا النيل."ومن ابرز القادحين فيه: ابن الجوزي، والذهبي، وغيرهما. ومما قاله الامام الذهبي فيه: "هو الضال الملحد، ابو حيَّان، علي بن محمد بن العباس البغدادي الصوفي، صاحب التصانيف الادبية والفلسفية." وقال ابن بابي في كتاب "الخريدة والفريدة": كان ابو حيّان هذا كذَّاباً، قليل الدين والورع عن القذف والمجاهرة بالبهتان، تعرّض لامور جسام من القدح في الشريعة، والقول بالتعطيل. كان ابو حيان احد ثلاثة زنادقة كما قال ابو الفرج بن الجوزي: "زنادقة الاسلام ثلاثة: ابن الراوندي، وابو حيان التوحيدي، وابو العلاء المعري، واشدهم على الاسلام: ابو حيان؛ لانهما صرَّحا، وهو لم يصرّح ...". قصد التوحيدي سادة عصره طامعاً في حظوة او في مكسب، من امثال: ابن العميد، والصاحب بن عبّاد، والوزير المهلبي، لكنه عاد صفر اليدين، خائب الامال، ناقماً على عصره وعلى مجتمعه. وعاش ابو حيان بائساً ومات يائساً ؛ اذ كان حظّه العاثر يعرقل خطواته في الحياة، فلم ينل من حياته ما يعادل جهده وعلمه وقدره، وهو من لقّب بـ"اديب الفلاسفة وفيلسوف الادباء". وكان حظّه من ادباء عصره سيئاً ايضا، فقد اهملوا الكتابة حوله، اذ ليس لدينا ترجمة وافية له الا ما لملمه ياقوت الحموي من شذرات عنه من كتابات التوحيدي نفسه، وافرد له صفحة في معجمه، وقد لقبّه ايضا بـ "شيخ الصوفية وفيلسوف الادباء." وجاء ذلك من باب رد الاعتبار لهذا الاديب الذي عاش طفلاً مهملا لكونه عاش يتيما، ومات اديبا وفيلسوفا مهملا، ممقوتا، ومتهما بدينه، لانه كان متجاوزا زمنه بقدرته العقلية فلم يستطع علماء عصره مجاراته وفهم افكاره ومراميه.


لقراءة كامل المقال يرجى الاتصال بالشخص المسؤول.

مقالات مرتبطة

موسوعة الفراشة
مِسكَوَيه (نحو 320-421هـ)

كان مسكويه واسع الثقافة، درس التاريخ، والأدب، وعلوم الأوائل، وكانت له ميول فلسفية. وهو ذكيّ، حسن الشِّعر، نقيّ اللفظ. م...

اقرأ المزيد
موسوعة الفراشة
أبو هلال العسكري (310-395هـ)

هو أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران اللغوي العسكري. وُلد لأسرة مثقّفة في بلدة عسكر مكرم في الأ...

اقرأ المزيد
موسوعة الفراشة
ابن قُتَيبة الدِّينَوَريّ (213-276 هـ/828-889م)

أبو محمّد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوَريّ. عالم، أديب، ناقد، إمام في اللُّغة والأدب والتّاريخ، وأخبار النّاس، والفق...

اقرأ المزيد