بحث متقدم
background

كتاب البيان والتبيين 


مقدمة

من آخر ما ألّف الجاحظ (159- 255هـ)، وأهداه إلى القاضي أحمد بن أبي دؤاد، وزير المأمون وأحد بلغاء الناس وفصحائهم وشعرائهم. ويبدو أنّ الكتاب لم يظهر إلاّ بعد سنة 233هـ، السنة التي قُتل فيها ابن الزيّات. وهو من أهمّ كتب الأدب بتنوّعه وغزارة مادّته. وإنّما تشيع فيه فوضى التأليف، إذ يَحكمه الاستطراد الذي طبع مؤلّفات الجاحظ عامّة. غير أنّنا نستطيع أن نردّ مباحث الكتاب وقضاياه إلى العناصر التالية: البيان والبلاغة والقواعد البلاغية والقول في مذهب الوسط والخطابة والشعر والأدب والأسجاع والوصايا والرسائل. وكلام النسّاك والقصّاص وأخبارهم. وكلام الحمقى ونوادرهم. واللغة واللسان. ويرافق حديثه في كلّ هذه الموضوعات الانتقال إلى أضدادها، فكما تحدّث عن البيان وفضله تحدث عن نقيضه الصمت، وتحدث عن البلغاء وعن أضدادهم من الجهلة والحمقى والمجانين ومَن إليهم. أمّا البيان فيتناوله الكتاب بمفهوم واسع، يشمل أنواع الدلالة مِن لفظ وإشارة وخطّ وعَقد، كما يعالج، في مصطلحه، دلالة الحال وإمكانية تحوّل الأشياء إلى علامات. وينتقل من ذلك إلى ضربٍ أكثر تخصُّصًا حين يجعل البيان يَعني الدلالة باللغة. ثم يتجاوز الاستعمال اللغوي إلى الاستعمال الأدبي الذي جعله همّ الكِتاب وموضع عنايته، كما يتحدّث عن الخطابة مبرِّزًا مكانتها وأنواعها وتاريخها وأهمّ الخطباء، ولا عجبَ فهي مِن دعائم الدعوة، والمعتزلة يلجؤون إليها في جِدالهم وبيان مذاهبهم. "فهو يرسم للخطابة أدبًا يَستحسن فيه أن يُقتبَس القرآن والشعر، ويُبيِّن ما ينبغي اتّباعه في ضروب من الخطب..." كما يتوقف عند بعض الجوانب التي تؤثّر في الخطبة وإقبال الناس عليها، كصوت الخطيب وشكله وجماله، وحركاته وإشاراته، ونَسَبه. وهو في أثناء ذلك يأتي بنماذج مختارة من خطب الرسول (ص) والخلفاء من بعده، ورجالات الخوارج... وغيرهم. وبدا في الكتاب ما يسمى المذهب الوسط، وفيه أهميّة كبيرة في الفكر والنقد. "فهو قد عقد بابًا للصمت والحَثّ عليه، ويَحكي أقوال المعارضين لأصحاب الخطابة والبلاغة الذين يفضّلون هذا الصمت، ويخصِّص بابًا آخر يقذف فيه بطائفة من كلام المُغرِبين وأصحاب التقعير، وأبوابًا أخرى في مديح اللسان وشدّة العارضة (البديهة والقدرة على الكلام). ولكنه لا يرضيه هؤلاء ولا أولئك، بل يرى أنّ كلاًّ منهما قد جَنَح إلى غير الصواب، وأنّ الصواب والخير كلّه في إصابة القَدْر في الكلام، وأن تكون الألفاظ والمعاني أوساطًا بينَ بينَ". ويمتاز الكتاب بأنّه أوّل ما كُتب في الأدب. ففيه بحوث في البيان، والبلاغة، والنَّقد، والخطابة وتاريخها وآدابها، والشّعر، والسجع. وأنه يشتمل على نظريّات أُولى في النَّقد، واللفظ والمعنى، والموازنة بينهما، وآداب الخطيب وعاداته وزِيّه، وكلّ ما يتصل بالخطابة... ويبدو أنّ الجاحظ ألّفه بعد كتاب الحيوان، كما يبدو أنّ اسمه الحقيقي هو (البيان والتبيُّن). هذا، وتبدو أهميّة هذا الكتاب لدارسي الأدب العربي في أنه يحفظ آراء السابقين في البلاغة والبيان، كما يَحفظ مرحلة من مراحل الدرس العربي للبلاغة وصِلتها بالبحث البلاغي في الثقافات الأخرى، كالفارسية واليونانية والهندية. وهو من جهة ثالثة معالجة لموضوع واحد هو البيان والبلاغة، بالإضافة إلى ما حفظه من نصوص خطابية ونثرية وشعرية، تُعدّ من عيون التراث العربي. لهذا، كانت للكتاب قيمته التاريخية، والثقافية، والأدبية وهو، وإن احتوى ثقافات الهند واليونان، كتاب أدبي صرف، عربي في موضوعه وعناصره ومصادره وغاياته... فيه يردُّ الجاحظ على الشعوبية مدافعًا عن العرب وبلاغتهم وعاداتهم.


لقراءة كامل المقال يرجى الاتصال بالشخص المسؤول.

مقالات مرتبطة

موسوعة الفراشة
الطِّراز

كتاب الطراز للإمام يحيى بن حمزة العلوي (669- ما بين 745و749هـ). وهو بحث في قواعد البلاغة سواء ما اتصل منها بالمعاني أو ا...

اقرأ المزيد
موسوعة الفراشة
كتاب الوَساطة بين المتنبي وخصومه - القاضي الجرجاني

" أنا أقول – أيّدك الله - إنّ الشّعر علمٌ من علوم العرب يشترك فيه الطبعُ والروايةُ والذكاء، ثم تكون الدُّربة...

اقرأ المزيد
موسوعة الفراشة
كتاب الغربال لميخائيل نعيمة

"لا غرض لنا أن نبحث الآن فيما إذا كان شكسبير قد نال هذه المنزلة الرفيعة في عالم الأدب بحقّ أو بغير حق. إنّما قصدنا ...

اقرأ المزيد