بحث متقدم
background

إبراهيم طوقان 


مقدمة

في اجواء طافحة بالبشر والانتظار، تلقت اسرة طوقان النابلسية الفلسطينية خبر ولادة ابراهيم طوقان الذي سُمِّي بابراهيم قبل مولده، او الذي كسر رتابة تتالي المولودات الاناث في الاسرة، لذلك كان الفرح كبيراً وواسعاً شمل الجيران، واهل الحي مثلما شمل بيوتات العمّات والخالات، فتوافدت النسوة للتهنئة، وتوافد الرجال على دار طوقان من اجل المباركة والاحتفال بهذا الحدث السعيد. في هذا المُناخ الاجتماعي، وهو مُناخ احتفالي تقريباً، ولد الشاعر ابراهيم طوقان عام 1905، فحظي بعناية واهتمام كبيرين داخل اسرة طوقان الكبيرة، لان الايدي كانت تتخاطفه سروراً بمقدمه. وقد كانت هذه الاسرة من الاسر الفلسطينية الثرية الغنية في مدينة نابلس مالاً، وثقافة، وجاهاً، لذلك شبَّ ابراهيم طوقان وبين يديه وحوله الكتب، واصدقاء والده المثقفون والمدرسون في مدارس مدينتي نابلس والقدس، وقد بدت مخايل الفطنة والذكاء على سلوكيات ابراهيم طوقان بسبب اهتمامه بالكتب وتقليده للكبار وهم يقرؤون فيها، وهم يكتبون في اوراقهم، لذلك سعت الاسرة ان تلحقه بمدرسة خاصة برياض الاطفال ليتعلم ابراهيم فيها مبادئ القراءة والكتابة، وتعرف الاحرف الانكليزية، والخطوط الاولى لمادة الرسم، لكن نحولة جسده، ووقوعه مريضاً مرات عدة في السنة الواحدة، جعلا امه تحرص على بقائه في البيت، واستقطاب بعض المدرسين لتعليمه داخل البيت كي لا يكون عرضة للبرد، وامراض الشتاء، وهبوب الهواء المغبر صيفاً، وبهذا بدا ابراهيم طوقان القراءة والكتابة، وتعلم اللغة الانكليزية مبكراً، وابدى اجتهاداً كبيراً، وقدرة مدهشة على الاستيعاب والحفظ، وهذا ما جعل انطلاقته في المدرسة الابتدائية الرسمية حين التحق بها قويةً وسريعة جاز بها انطلاقة اترابه. ومع ان ابراهيم ابن السنوات الست، صار في البيئة الثانية، بيئة المدرسة، حيث هم المدرسون، والاتراب، والدروس، والاشراف الطبي، غير ان عين امه ظلت تراقب صحته، وتتخوف من انتكاسات مرضية جديدة بسبب ضعف بنيته الجسدية، وانشداده المذهل للقراءة والكتابة لكي يظل في المرتبة الاولى بين زملائه. التحق ابراهيم طوقان بالمدرسة الرشيدية في مدينة نابلس، وهي مدرسة ابتدائية متميزة من غيرها من مدارس نابلس لانها كانت لاولاد الذوات والثراء والجاه الاجتماعي والسياسي، كما انها كانت تجمُّعاً علمياً للاساتذة اهل العلم والشهرة والسمعة التربوية الرائقة. يضاف الى هذين الامرين ان مناهجها الدرسية لم تكن خاضعة لتوجيهات السلطنة العثمانية، لان اساتذة المدرسة الذين تعلموا في مصر اقتبسوا المناهج الدرسية المدرسية في مصر، وطبقوها نظرياً وعملياً في هذه المدرسة (الرشيدية). عُرِف ابراهيم طوقان بنحولة بدنه، وضعف قواه الجسمية لذلك دافع عن حضوره وموجوديته بين رفاقه في المدرسة والحي بذكائه وكثرة تحصيله العلمي، والحق ان والده استقدم الى بيته بعض المدرسين المعروفين بالشهرة العلمية لكي يدرسوا ابراهيم الرياضيات، واللغة العربية، واللغة الانكليزية، والتاريخ، والاخلاق. بعد حيازة شهادة المدرسة الرشيدية، انتقل ابراهيم طوقان الى مدرسة المطران في الكلية الانكليزية في القدس، وهناك اتسعت مجالات الثقافة رحابةً امامه، وقد تجلت مواهب ابراهيم في هذه المدرسة الكبيرة التي ستؤهله لدخول الجامعة، ولعل اقواها قوله الشعر، فقد صار شاعر المدرسة، وشاعر الاحتفالات والمناسبات الوطنية، وحين حاز الشهادة الثانوية، ذهب الى بيروت الى الجامعة الامريكية فدرس فيها الاداب حتى نال شهادتها سنة 1929، وهناك حظي بشهرة واسعة في مناخ ثقافي جامع لكل ابناء الوطن العربي، وقد تفتحت مواهبه كاملة في الشعر، والاداب، والتاريخ، والسياسة، والفكر القومي. لقد مسته بيروت بحب لم يغادره طوال حياته. عاد الى نابلس ودرَّس في المدرسة الرشيدية عاماً واحداً، ثم عاد الى بيروت ليدرّس في الجامعة الامريكية نفسها عامين دراسيين متتاليين من 1931 الى 1933، ولم يستمر اكثر لان مرضه تثاقل عليه، فعاد الى نابلس ليدرّس في كلية النجاح، لكن مرضه (التهابات في معدته) اشتد عليه، فخرج الى وظيفة ادارية تابعة لمصلحة مياه مدينة نابلس، وحين استعاد صحته عين سنة 1936 مديراً للقسم العربي في اذاعة القدس، ثم رُقي فعين مديراً للبرامج العربية فيها ايضا. وقد كان ذلك حدثاً في حياة ابراهيم طوقان الوطنية، لانه حول اذاعة القدس الى اذاعة وطنية تتحدث عن العروبة، واللغة العربية، والتاريخ العربي واعلامه، والرجالات الوطنية وافعالهم بعدما كانت اذاعة تاتمر بالاوامر الانكليزية، وقد نبهت البرامج التي اشرف عليها الى مخاطر الصهيونية، والهجرات اليهودية المتتالية، والتواطؤ الانكليزي مع الصهاينة للاستيلاء على الارض الفلسطينية بالطرق والوسائل المختلفة. في تلك الفترة كان صوت ابراهيم طوقان الشعري، هو الصوت الاهم والاول في البلاد الفلسطينية، ولا يوازيه في الاهمية سوى صوت الشاعر عبد الكريم الكرمي (ابو سلمى)، فقد اصبحت قصائد ابراهيم طوقان اناشيد يرددها الناس على اختلاف مستوياتهم الثقافية، كما كانت اشبه بالمحرضات التي كانت تتقدم التظاهرات الوطنية. ولم تحتمل سلطات الانكليز وطنية ابراهيم طوقان، ولا سيما انه تمرد على اوامرها وتوجيهاتها، وضرب بتحذيراتها وتنبيهاتها وتهديداتها عرض الحائط، الامر الذي اغضب السلطات الانكليزية فاقالته سنة 1940، وقد كان خبر الاقالة من الامور المدوية وطنياً في مدينة القدس، لذلك تكاثرت الدعوات المنادية بعودته الى اذاعة القدس التي غصت بالتمثيليات الوطنية، والاغاني والاناشيد الوطنية، واخبار الثورات الفلسطينية المتتالية، واخبار الشهداء، والسجناء، والاحاديث عن الثورات العربية، والتاريخ العربي، واعلام النضال في العهدين العثماني والانكليزي، ولان الانكليز لم يمتثلوا لهذه الدعوات، فقد طلبت منه دار المعلمين العليا في بغداد ان ياتي اليها مدرساً للغة العربية، وقد كانت الثورات منعقدة في جميع المدن العراقية، فلبى الدعوة، ومضى الى بغداد ودرس في دار المعلمين عاماً دراسياً واحداً لان سوء صحته اعاده مرغماً الى مدينة نابلس، وكان ان توفي بعد ايام من عودته في سنة 1941 وليس له من العمر سوى ست وثلاثين سنة!


لقراءة كامل المقال يرجى الاتصال بالشخص المسؤول.

مقالات مرتبطة

موسوعة الفراشة
القعقاع بن عمرو التميمي

هو من أشهر الشعراء الفرسان عاش في الجاهلية والإسلام فهو من المخضرمين، لكنّ معظم المصادر التاريخية وكتب التراث لا تذكر سن...

اقرأ المزيد
موسوعة الفراشة
ابن الدمينة

كان ابن الدمينة يتصف بعدد من الصفات التي تجعله ذا شهرة سواءٌ كانت هذه الصفات خَلْقية أم خُلُقية، فهو جميل الشكل بهيّ الط...

اقرأ المزيد
موسوعة الفراشة
حسان بن ثابت

هو حسان بن ثابت الأنصاري ينتهي نسبه إلى قحطان، كنّي بأبي الوليد، وأبي عبد الرحمن، وأبي الحسام، يعدّ من الشعراء المخضرمين...

اقرأ المزيد